محمد جمال الدين القاسمي

220

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

إنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال : فبيّن أنهم كانوا ضالين من قبل ، ثم ذكر أنهم كانوا مضلّين لغيرهم ، ثم ذكر أنهم استمرّوا على تلك الحالة حتى إنهم الآن ضالون كما كانوا . ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من اللّه والقرب من عقاب اللّه تعالى ، من هذه الحالة . نعوذ باللّه منها . ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم ، في ذلك الإضلال ، أنه إرشاد إلى الحقّ . ويحتمل أن يكون المراد بالضلال عن الدين ، وبالضلال عن طريق الجنة . انتهى . وهذه الوجوه - مع ما أسلفناه عن المهايميّ - كلّها مما يصح إرادتها من الآية لتصادقها جميعا عليهم . الثالث : دلت الآية على أن ما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل - مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول - لا مستند ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم الضالّين ، الذين أحدثوا القول بالتثليث بعد نحو ثلاثمائة سنة من رفع المسيح عليه السلام . وقرروه في تعاليمهم بعد جدال واضطراب . وتمسّكوا في ذلك ، بظواهر الألفاظ التي لا يحيطون بها علما ، مما لا أصل له في شرع الإنجيل ، ولا مأخوذ من قول المسيح ولا من أقوال حواريّيه . وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت ، يكذب بعضه بعضا ، ويعارضه ويناقضه ، كما تبيّن من الكتب المصنفة في الردّ عليهم . الرابع : جاء في ( تنوير المقباس ) : إن المراد ب ( أهل الكتاب ) هنا : نصارى نجران الذين قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وبقوله وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ العاقب والسيد . والأول - كما قال ابن إسحاق - كان أمير القوم وذا رأيهم . والثاني صاحب رحلهم ومجتمعهم . والأظهر أن المعني ب ( أهل الكتاب ) عموم النصارى . والمذكورون يدخلون فيه دخولا أوليّا . الخامس : ذكر كثير من المفسّرين : أن المراد ب ( أهل الكتاب ) هنا : اليهود والنصارى . وأن كليهما غلا في عيسى عليه السلام : أما غلوّ اليهود فالتقصير في حقه حتى نسبوه إلى غير رشدة . وأما غلوّ النصارى فمعلوم . وأن الخطاب في قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ لليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم . انتهى . وظاهر أنّ ما نسب للفريقين - من الغلوّ والابتداع - مسلّم . بيد أن الأقرب